الجمعة 17/ذو القعدة/1440 الموافق 19 يوليو 2019 الساعة 9:31 AM بتوقيت السعودية
التسجيل في الموقع
وقفات مع المبالغة في الديات

وقفات مع المبالغة في الديات

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع المبالغة في الديات

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :

المزايدات في الديات شكل من أشكال الإبتزاز فنحن في زمن وصلت فيه الديات إلى حدود خيالية وأًصحبت مصدراً للتكسب الغير المشروع وأصبحت سوقا للمتاجرة بالدماء وقضية سمسرة والواجب الحذر من الشفاعات والوساطات في الديات التي تحولت في بعض الجوانب إلى تربح وتكسب .

الناس يختلفون في قضايا القتل والعوض فطائفة هي من أبشع أنواع القتل وهو قتل الغيلة حيث يتربص ذلك القاتل ويعقد النية على القتل مترصداً ومتقصداً وباحثاً عن فرصة القتل والإنتقام والمحاولة جاهداً لإيجاد دواعي القتل .

وطائفة ثانية من الناس يكون القتل بسبب شجار ومشاجرة وفقدان أعصاب وتهور .

وطائفة ثالثة من قد يبتلى بالقتل دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله وكل هذه الحالات وهذه الحوادث للشيطان فيها مجال وله عليها سبيل .

النظرات والحسرات

حث المولى عز وجل على العفو ودعى إليه وجعل عظيم الأجر والمثوبة لمن عفا وأصلح وصبر وغفر طالبا للأجر من الله ومرضاته .

علينا أن لا نبكي كثيرا على حال القاتل ونتعاطف معه وننسى أو نتناسى حال المقتول فكلاهما من إخواننا المسلمين والواجب النظرة المتوازنة إلى الأمور وإن طال الأمد وتباعد العهد كما أن الواجب عدم التفريق بين القوي والضعيف والغني والفقير والقريب والبعيد فالكل سواسية أما شرع الله عز وجل .

النظرة القويمة في انتشار الجريمة

النظرة الثاقبة والمتوازنة تجعل المنصف منا ينظر إلى الجريمة من ثلاث زوايا متساوية ...الواقع... والسبب... والعلاج... وعندما نعرف هذه الزوايا ونتأملها بعمق وإنصاف نستطيع الخروج بفوائد واستنباطات وتقسيم الأمن إلى ثلاث مستويات .

المستوى الأول :

الحرص على منع الجريمة قبل وقوعها ودفعها قبل نزولها وهو ما يعرف نظاماً بـ(الأمن الوقائي )

 

المستوى الثاني :

مواجهة الجريمة عند وقوعها وحماية المتضررين أو المستنجدين والقبض على من خطط لها وهو ما يعرف نظاما بـ ( الدوريات النجدية 999) .

المستوى الثالث :

الإجتهاد في معرفة الجريمة ومن نفذها ومعرفة دوافعها وأسبابها والشروع في التحقيقات الأولية إحقاقاً للحق ونصرة للمظلوم وهو ما يعرف نظاما بـ ( الأدلة الجنائية).

إن الأمن أمر ضروري ومهم للجميع ولا يتستغني عنه أحد ويجب أن تقوم الأجهزة الأمنية بتطوير أنظمتها وتدريب أفرادها حتى يتم تحقيق المستوى الأول بكل حزم واقتدار ويكون الأمن الوقائي قويا وفاعلا وناشطا ولدى العاملين في هذا الجهاز الجاهزية والإستعداد لمنع الجرائم قبل وقوعها والتخفيف على المستويين الثاني والثالث ( النجدة ورجالها والأدلة الجنائية وبصماتها ) .

الراصد والمتابع والمتأمل يستنبط أن الجرائم تزداد كما ونوعا يوما بعد يوم من جرائم بسيطة لا تذكر إلى جرائم ذات أثر وخطر بدءا بسرقة الأموال السائبة وإنتهاءا إلى الإعتداء على الأنفس البريئة .

الجرائم الجنائية كانت في الماضي القريب لا تتعدى المضاربات الفردية البسيطة ثم تحولت لعصابات سطو مسلح على البيوت والأسواق والصرافات وحوادث مؤسفة وصلت لحد الإعتداء والإغتصاب على طلبة المدارس والشباب .

خطر المزايدات في الديات على المجتمعات

مزايدات ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان من أجل جمع المبالغ الفلكية والخيالية لدعم عصبة الجاني لإنقاذ فلان أو فك أسر فلان .

للأسف أن هذه الظاهرة للمزايدة والمتاجرة بجمع الديات أخذت بعدا اجتماعيا ملموسا وتعاطفا محسوسا من أناس يتبرعون بالحديث عن ذلك ويساهمون في هذا الحراك السلبي من على المنابر وعلى صفحات الفيس والتويتر ظاهرة سيئة تقود إلى العصبية الجاهلية المقيتة أو البحث عن التميز المرفوض شرعا وعقلا وعرفا ما أحلى كلمات القرآن الكريم والسنة النبوية عندما يريد أولئك الموفقون بأمر الله المكلومون بفراق عائلهم أو ابنهم عندما يقولون عفونا لوجه الله تعالى لأن العفو من شيم الكرام ولا يقدر عليه إلا الكبار من الرجال .

ظاهرة ممقوتة توارثناها من الوهم الذي نعيشه ونعايشه ومن الخصوصية المزعومة التي ندعي أننا ننفرد بها دون غيرنا من العالمين .

فأصبح لبعض شبابنا خصوصية في حمل السلاح وأصبح لبعض شبابنا خصوصية في العودة إلى أحضان الجاهلية وأصبح لبعض عقلائنا ومشايخنا وبعض أهل الحل والعقد في مجتمعاتنا خصوصية تتمثل في تحطيم الأرقام القياسية في جمع مبالغ مليونية .

ظاهرة تحولت مع الزمن من البحث عن العفو لوجه الله تعالى والحرص على المساهمة في إحياء نفس قدر الله عليها القصاص تحولت إلى متاجرة رخيصة بالدماء ومفاخرة جاهلية بقوة الدعم والعطاء .

ظاهرة تفاقمت وتطاير شررها وامتد خطرها حتى قادت بعض المجتمعات إلى انقسامات وأفرزت شللا وتحزبات .

التنشئة الاجتماعية الخاطئة

نظرة الإسلام لعملية التنشئة الاجتماعية نظرة شاملة كاملة لأن مصدرها السماء (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ويجب على المربين والمثقفين والخطباء والأدباء التعرف على أهم أساليب التنشئة الاجتماعية لأنها مصدر القيم المجتمعية .

إن الناصح والمشفق على مجتمعنا المبارك يعلم أن التنشئة الاجتماعية في المجتمع السعودي تمر بأزمة يعرفها ويشاهدها القاصي والداني ولعل من أهم الأسباب ما يلي :

أولا / الإنفتاح الإعلامي والتقدم التقني الذي عصف بالمؤسسات التقليدية التي كانت تتولى وتتابع التنشئة كالمسجد والأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام القديمة فأصبحت وسائل الإتصال الحديثة تسيطر على نقل القيم وتنمية الإتجاهات لدى الشباب في المجتمع .

ثانيا / هناك أسباب أخرى أسهمت في الواقع المعاش والأخطار التراكمية في تنشئة الأجيال ومنها التناقض الصارخ بين ما يقدم ويشاهد في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية فيما يتعلق بالتنشئة الاجتماعية حتى أصبح لدى الناشئة صراع بين التيارات الثقافية والقيم المتناقضة التي ساهمت شئنا أم أبينا في التفكك الاجتماعي والأسري حتى عجزت المؤسسات التربوية التقليدية في عملية الضبط الاجتماعي لدى الشباب وظهر على السطح نتيجة لهذا حالات الإنحراف والتشرد والمخدرات ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى ما هو أدهى وأمر كحالات الإنتحار والتفحيط والقتل التي تكون في حالات كثيرة أبطالها من الشباب والشابات .

ومما سبق يتضح لنا أن هذا الموضوع المهم التنشئة الاجتماعية في المجتمع السعودي لم يتم الاهتمام به والعناية كما يجب على المستويين البحثي والمعرفي وعلينا جميعا المساهمة في التوعية والتوجيه  للوصول إلى الضبط الاجتماعي المطلوب .

 

 

حقائق واقعية

أولا / لقد اتضح لنا جليا أن معظم وسائل التقنية الحديثة والأجهزة الذكية وما تحمله من مخاطر على سلوكيات الناشئة أصبحت في معظم أحوالها وسائل تسلية وترفيه آثارها السلبية واضحة وملموسة همشت دور الأسرة والمسجد في التنشئة الاجتماعية الصحيحة .

ثانيا / لقد اتضح لنا مع مرور الزمن أننا أخطأنا كمربين وإعلاميين وأباء وخطباء أخطأنا عندما كنا ننشد المثالية وننفخ في روع أبنائنا أمثلة خيالية بأن لنا خصوصية ونحن أفضل من غيرنا بكثير حتى أصبح العديد من شبابنا هداهم الله ينظرون إلى الآخر نظرة احتقار ودونية وبعد مرور الزمن اكتشفنا أننا بعيدون عن الواقعية عندما علقنا الأجيال بالمثالية ...

ثالثا / الإزدواجية وعدم المصداقية من بعض الجهات الحكومية عندما يقرأ الشباب ويسمع عن الوعود بمستقبل مشرق وهم يعيشون حاضرا مؤلما مليئا بالمشكلات والمعضلات .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

وكتبه

مسفر بن أحمد المريخ

 

 عضو قسم العفو باللجنة

 

 

 

أضيف فى : 18/5/2015 , مشاهدات : 836

إرسال تعليق