الأثنين 17/محرّم/1441 الموافق 16 سبتمبر 2019 الساعة 12:6 AM بتوقيت السعودية
التسجيل في الموقع
المنهاج في إصلاح ذات البين(2)

المنهاج في إصلاح ذات البين(2)

 

أصول المنهج القرآني في حل المشكلات الزوجية
علاج الخلافات الأسرية، يقوم على أربعة أصول مهمة، هي:
الأصل الأول : المبدأ المشهور الذي ينصُّ على أن الوقاية خير من العلاج.
الأصل الثاني : يقوم على المسارعة إلى إصلاح الخلل قبل أن يتعاظم ويستفحل، ومن ثَمَّ يصعب علاجه وإصلاحه.
الأصل الثالث : العمل على علاج المشكلة قبل تفاقمها, والحد من اتساع رقعتها.
الأصل الرابع : المساهمة في تـخفيف آثارها وتداعياتها السلبية.
والآن نأتي إلى هذه الآية الكريمة. فالشقاق أعظم صور الخلاف بين الزوجين، وهو تعبير ثقيل المعنى في حِسِّ الحياة الزوجية التي كان من المفترض أن تقوم على المودة والرحمة، والسكن، والألفة.
والشِّقاق فصل عصيب على مسرح الحياة الزوجية، وإذا لم يُـحَلَّ سريعًا ويعالج بشكل فعال، فإنه يمكن أن يكون الفصل الأخير في هذه الحياة، وبالتالي يسدل الستار عليها إلى الأبد
وهو بمثابة إعلان حالة الطوارئ في بيت الزوجية الذي أوشك أن يتداعى للانهيار والله عز وجل يقول : (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلهاأي: إذا خفتم، وليس إذا وقع الشقاق، وأطل برأسه البغيض الفِراقُ.
والشقاق يعني انشقاق الأسرة، وتصدع أركانها وتشقق الحياة الزوجية، وأن الزوج صار كأنه في شِق، وصارت الزوجة في الشق الآخر، فإذا خُشي من وقوع الشقاق أو وقع بالفعل؛ فليبادر أهل الفضل والعلم والصلاح ببعث مندوب عن كل طرف من الزوجين، ليتقصَّيَا الحقائق، وينظرا أسباب الخلاف، ويعملا على حلِّ جميع المسائل العالقة بين الطرفين، وهذا شبيه ببيت ينبعث منه الدخان، فهل سيتأخر العقلاء ويتركونه حتى تندلع النيران في أركانه، وتأتي على جميع جوانبه؟! أم أنهّم سيهبُّون بمجرد انبعاث رائحة الدخان، دون انتظار رؤيته لتدارك الأمر وإنهاء الأزمة؟
ثم يقول سبحانه: ﮋ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﮊ أي: إن يردِ الحكمان الإصلاح بصدق ونية طيبة، وقد اتبعا وسائله الحكيمة، وعملا بأسبابه الموصلة إليه، وفق الله بينهما في حل ذلك الشقاق الذي وقع بين الزوجين. وإن كان الزوجان يريدان الإصلاح إذا وقعت بينهما مشكلة، وشرعا في حلها وفق الله بينهما، وأعاد المودة والألفة إليهما. وإذا صدقت نوايا المصلحين، وكان كل من طرفي النزاع يريد الإصلاح ويسعى إليه وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من الصلح الذي تنقطع به الخصومة، وتعود به المحبة، ويدحر به كيد الشيطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً )( ).
ويقول تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)
إشارة واضحة إلى المبدأ الشهير الذي أشير إليه سابقًا: «الوقاية خيرٌ من العلاج».
ومعنى ﮋ خَافَتْ ﮊ أي: رأت علامات الإعراض، وإرهاصات النشوز، وهو ترفُّع الزوج، وتلكؤه وتباطؤه في تلبية حقوق زوجته. وإن كثيرًا من النساء ـ ويا للأسف! ـ لا يبذلن من جهدهن، ولا أوقاتهن في إصلاح أزواجهن إلا بعد أن يقع النشوز، ويستفحل الإعراض، وهنا يصعب العلاج، ويستبعد الحل.
والنساء شقائق الرجال، يقول تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)
فلم يقل عز وجل: واللاتي نشزن، بل قال(تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)
ونشوز المرأة هو: تمردها على طاعة زوجها، فإذا أحس الزوج بأعراض النشوز، من تثاقل في الخدمة، وتجاهل في بعض الأحيان لمطالبه، واختلاف في المعاملة نحو الأسوأ، والامتناع في المضجع فعليه أن يبادر بالحل قبل أن يتعاظم الداء، ويعسر الدواء.
ثانيًا : لابد أن نعلم أن ما من مشكلة زوجية إلا ولها حل، فلئن كان النشوز أو الإعراض من جانب الزوج: «فالأحسن في هذه الحالة أن يصلحا بينهما صلحًا، بأن تتسامح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها، على وجه تبقى مع زوجها, إمَّا أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة، أو الكسوة، أو المسكن، أو القسم، بأن تسقط حقها منه، أو تهَبَ يومها وليلتها لزوجها، أو لضرَّتها»( 2)، فذلك خير لها من الفرقة والطلاق، والأمر يعود لها وإليها من قبل ومن بعد.
وفي قوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)
ملخص القول في هذه الآية الكريمة التي قد يستدل بها من لا علم له على تضييق التعدد أو منعه:
أن الإنسان لن يستطيع أن يعدل بين نسائه في المحبة القلبية، والفراش، ولكن يجب عليه أن يعدل في النفقة، والكسوة، والقسم.
وإذا لم يعدل الزوج صارت المرأة كالمعلَّقة؛ فليست مطلقة تبحث عن زوج يصونها ويعفُّها، ولا متزوجة بزوج يقوم بحقوقها وشؤونها، ولكم رأينا في هذا المجال من نسوة معلقات، وزوجات مهملات!
ولذا أمر الحكيم عز وجل بالإصلاح، وأن يقوم الرجال بحقوق أزواجهم، ولا سبيل لإنهاء معاناة المعلقات من النساء إلا بالإصلاح، فإما أن تعاشَر مُعاشَرة ترضاها، أو تسرَّح سَرَاحًا جميلًا.
وعند المعاشرة يحدد الزوجان قدرًا مشتركًا من التفاهم بينهما، يرضى به كل منهما، ولا يلحق بالآخر عنتًا ولا حرجًا.
-----------------------------------------------
( 1) سورة النساء، الآية: 76.
( 2) تيسير الكريم الرحمن، لابن سعدي ص (170).
 

 

 

أضيف فى : 14/9/2014 , مشاهدات : 809

إرسال تعليق