الجمعة 17/ذو القعدة/1440 الموافق 19 يوليو 2019 الساعة 8:56 AM بتوقيت السعودية
التسجيل في الموقع
المنهاج في إصلاح ذات البين(1)

المنهاج في إصلاح ذات البين(1)



تعريف الصلح، وما يجوز فيه وما لا يجوز:

الصلح والإصلاح لغة: ضد الفساد والإفساد، قال تعالى:
( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)( 1).
عرف كثير من الفقهاء الصلح بأنه: أمر قاطع للنزاع بين متخاصمين عن طريق التراضي؛ فلو قيل في تعريفه على الإيجاز بأنه: عقد لقطع النزاع بتراضي طرفيه، لكان متَّجِهًا.
فالصلح عبارة عن اتفاقية يحصل بها إنهاء الخصومة بين المتنازعين برضا كل منهما( 2).
وقد يقع الصلح بعد نزاع بين طرفين، أو بدون نزاع كما ذكر بعض الفقهاء.
المهم أن هناك مشكلة تتطلب علاجًا، وخلافًا يستدعي حلًّا، ولكن في الغالب لا يقع الصلح إلا بعد نزاع قصير أو طويل، هادئ أو عنيف.
ولكن قد يحصل في بعض الأحيان أن يقع التصالح والتراضي لحل مشكلة ما بين طرفين دون أن يكون هناك نزاع أصلاً، كشريكين مثلاً اصطلحا على إنهاء شركتهما، أو حل إشكال متعلق بها دون نزاع يذكر.

* أنواع القضايا من حيث قبول الصلح وعدمه من الناحية الشرعية:
يفرِّق الحافظ ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله ـ بين نوعين من القضايا، نوع يجوز فيها الصلح ويندب إليه، وهو ما يتعلق بالناس من حقوق، ونوع لا يجوز فيها الصلح ولا يحل، وهو ما يتعلق بالله عز وجل من حقوق، حيث قال في إعلام الموقعين: الحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي. فحق الله لا مدخل للصلح فيه: كالحدود، والزكوات، والكفارات، ونحوها.
وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها، لا في إهمالها؛ ولهذا لا يقبل بالحدود، وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع.
وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح، والإسقاط، والمعاوضة عليها...» ( 3).
ولذلك كان مهمًا ألَّا يتصدى لإصلاح ذات البين بين الناس إلا حملة العلم الشرعي أو من لهم مرجع شرعي يرجعون إليه فيما يشكل عليهم من القضايا كي يكون عملهم إصلاحًا وليس إفسادًا، وواجب على من يتصدى للإصلاح بين المتخاصمين أن يتفقه ويتعلم ويسأل ويراجع حتى لا يقع في مخالفات شرعية.

فضلُ الصُّلح
الصلح مشروع في كتاب الله عز وجل, وسنة النبي ^ , وإجماع المسلمين؛ ولقد جاء بفضله ومدحه والإشادة به والترغيب فيه كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
لقد ورد في فضل الصلح والترغيب فيه آيات كثيرة وتوجيهات ربانية عديدة، وقد آثرت أن نتوقف مع عدد من هذه الآيات؛ لننهل من معانيها, ونستفيد من إرشاداتها بشأن الصلح ولبيان ما فيها من فضل الصلح وأهمية العدل فيه، وشيء من فقهه وأصوله وآدابه.
قال تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (4 ). ويقول جل وعلا: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( 5).
هذه الآية الكريمة تناقش علاقات اليتامى بمن حولهم من أوصياء، ووكلاء، وأقارب.
وإصلاح شؤون الأيتام برعايتهم، والاهتمام بهم، وصيانة أموالهم، والمحافظة عليها، وتنميتها بالتجارة خير عظيم.
واليتامى صنف من المجتمع، وهم أحوج ما يكون إلى العطف، والحنان والشفقة، والرحمة من قبل الأفراد والمؤسسات والدولة.
والأرامل كذلك، وهن والدات اليتامى، ومن فقدن أزواجهن، ومن كانوا يعولونهن، ويتفقدون شؤونهن.
فرعاية هذين الصنفين اللذين هما من أضعف الناس، وأشد الخلق حاجة إلى العون والعطف؛ مظهر عظيم من مظاهر الإصلاح في المجتمع. ولذا صح عن البشير النذير، والسراج المنير ^ أنه قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار» متفق عليه(7 ). 
ومما ورد في فضل الصلح قوله تعالى: ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( 6).
والمعنى ألا يكون الحلف مانعًا من عمل الإصلاح بين الناس: «فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عُرضة، أي: مانعة وحائلة أن يبرُّوا أي: يفعلوا خيرًا، ويتقوا شرًّا، ويصلحوا بين الناس»( 8).
ولقد شاهدنا في قضايا الإصلاح شيئًا من هذا، فبعض الناس إذا قيل له تصالح وتنازل وتسامح هب قائلاً: إنه قد حلف أيمانًا مغلظة ألا يصطلح مع فلان مهما كان الأمر. وبعضهم ممن قد يُظَنُّ أن لهم تأثيرًا على بعض المتخاصمين، ودورًا في وقوع الإصلاح بينهم، وإنهاء الخصومة؛ إذا طلب منه التدخل امتنع متعللًا بأنه قد حلف ألا يتدخل في هذه القضية، فالله عز وجل ينهى مثل هؤلاء أن يجعلوا أيمانهم مانعة لهم عن قبول الصلح، أو السعي في الإصلاح.
وذكر عز وجل الصلح خاصة للدلالة على أهميته، وفضله، وعظيم قدره، وجلالة نفعه بين الناس.
فليكفِّر الحالف عن يمينه، وليأتِ الصلح الذي هو خير، وليتمثل حديث النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام حيث يقول: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه»( 9).


___________________________
( 1) إعلام الموقعين (1/108).
(2 ) سورة البقرة، الآية: 182.
( 3) سورة البقرة، الآية: 220.
(4 ) أخرجه البخاري (5353), وأطرافه فيه, ومسلم (2983), عن أبي هريرة.
(5 ) سورة البقرة، الآية: 224.
(6 ) تيسير الكريم الرحمن، لابن سعدي ص (83).
( 7) رواه البخاري (6649) وهو جزء من حديث للأشعريين، ومسلم (1650).
[/size][/font]

 

 

أضيف فى : 14/9/2014 , مشاهدات : 850

إرسال تعليق