الأثنين 17/محرّم/1441 الموافق 16 سبتمبر 2019 الساعة 11:43 AM بتوقيت السعودية
التسجيل في الموقع
الفلاح في الإصلاح

الفلاح في الإصلاح

 

الحاجة إلى أهل الخير والإصلاح ، والنصح والتوجيه ، والغيرة ،والحمية ، والإنسانية والبذل ، والكرم والشهامة ، ضرورة ملحة في كل زمان ومكان ، وأيما أمة أو أرض أو ملة خلت من ذلك فهي تعيسة الحظ ، محرومة المجد ، محطمة القوى، فاقدة المثل ، وبوجود تلك الصفات الكريمة ، والسمات العظيمة تحيا الأمم وتزكو المجتمعات ، وترقى الأخلاق ، وتسمو الأذواق ، وتصان الكرامات وينصر المظلوم ، ويعان الضعيف، وينفس عن المكروب ، وتتماسك الأسر ، وتتحد النفوس ، وتقوى الشوكة . ولقد كان العرب و مازالوا مضرباً للمثل في صفات المروءة والشهامة والنجدة والكرم ، ولذلك يقول : «ما أحب أن لي بحلف حضرته بدار ابن جدعان حمر النعم» [أخرجه ابن سعد في الطبقات (1/129)] , وهو حلف عقدته قريش لنصرة المظلوم ، وإغاثة الملهوف .
فلما أن أشرقت شمس الإسلام ، وسطع بدره ، وتجلى نهاره غرس تلك المثل العالية ، والأخلاق الزاكية في قلوب أتباعه ، ودعاهم إلى أحسن الأخلاق، وأسمى الصفات ، وأفضل المعاملات ، بل جاء متمماً لمكارم الأخلاق ، مترقياً بالقلوب والأذواق فإذا بالكتاب الكريم ينادي (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بـِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْـجَاهِلِينَ ). [الأعراف : 199]
و ينادي (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .[النساء : 114].
وإذا بالمصطفى يضرب بفعله وسنته أعظم مثل عرفته الدنيا في حسن الخلق وجميل التعامل ، وكريم المثل ، وإذا به يعطر أسماع الكون بكلماته العذبة التي تنسكب في النفوس كالماء البارد على الظمأ فيقول :« المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» [أخرجه الترمذي (2627) وصححه] , ويقول : «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا» [أخرجه الترمذي (2018) وحسنه] . ويقول : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [أخرجه الترمذي (3895) وصححه] . ويقول : «ما زاد عبد بعفو إلا عِزَّا» [أخرجه مسلم (2588)] . ويقول : «الراحمون يرحمهم الرحمن» [أخـرجـه أبو داود (4941) وصححه الألباني] . «من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» [أخرجه مسلم (2699)] . إلى غير ذلك من تلك الينابيع الفياضة بالخير والنماء والهناء .
وهكذا ظلت هذه الأمة أمة المثل والخلق والسمو والرفعة وسوف تظل كذلك بإذن الله تعالى ، وإذا كانت الحاجة إلى جهود الخير والإصلاح ضرورة في كل زمان ومكان فما بالك بها في زمن كهذا ، تطورت أموره ، وكثرت شروره ، وتعددت مخاوفه ، بعدت الأمم فيه عن الهدي الرباني والنهج الإيماني والهدف الإنساني إلا من رحم الله تعالى ، زمن ابتلي الناس فيه بما يحارب الفضائل ، ويبث الرذائل ، ويشجع على الجريمة ، ويزين الفواحش ، ويدعو إلى التحلل ، زمن أفرز العنف ، والإرهاب ، والبطش وضيق النفوس ، وسوء الخلق ، إلا ما رحم ربك.
زمن تعقدت فيه المعيشة ، وتكالبت الظروف ، وتنوعت المطالب ، وعظم اللهث وراء الدنيا وبريقها وزينتها ، زمن القنوات الفضائية والإنترنت ، وغيرها من التقنيات التي كثير منها عبارة عن حرب ضروس تشن حملاتها آناء الليل وأطراف النهار على المثل والآداب والأخلاق ، زمن الشهوات والشبهات الذي ألقى بظُلَله الكالحة على الدنيا بأسرها ولم تسلم من ذلك البلدان الإسلامية التي أصبحت ترى فيها من الأخلاقيات ، والجرائم ، والانحرافات ، ما لم يكن يخطر على بال ، وما لا يتوقع أن يحدث من مسلم رضي بالله رباً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً.
ولكن أهل الخير والإصلاح والغيرة لا يخلو منهم زمن ولا بلد والحمد لله، وهاهي هذه البلاد المباركة يمن الله تعالى عليها بولاة ناصحين صالحين خيرين يسعون في الناس بالخير ، ويتعاملون باللطف ، ويتزينون بالحلم ، ويشجعون كل فضيلة ، ويحاربون كل رذيلة ، ويضعون أيديهم في أيدي كل محب للخير ، وكل داعٍ إلى الهدى ، وكل منادٍ بالإصلاح .
ولذلك لم يدخروا جهداً في إقامة صروح الخير ، وجمعيات البر ، ومراكز التوجيه ، ولجان الإصلاح ، وهيئات حقوق الإنسان ، وكانوا في المقدمة في كل ميدان خير ، ومشروع مبارك ، فيه خدمة للناس ، وصيانة للمجتمع ، وحفاظ على الدين ، ورعاية للمثل ، وبقاء للمودة.
ومن هنا كانت إقامة مشروع عملاق كهذا المشروع المبارك مشروع (لجنة إصلاح ذات البين بإمارة منطقة مكة المكرمة).

 

 

أضيف فى : 14/9/2014 , مشاهدات : 803

إرسال تعليق